الشيخ السبحاني
107
مفاهيم القرآن
وهذه الآية تحتمل معنيين : الأوّل : أنّه سبحانه أخذ الميثاق من النبيين ولم يذكر متعلّق الميثاق عندئذ وقوله : « لما آتيتكم » ليس متعلّقاً لأخذ الميثاق منهم ، لكون اللام مفتوحة توطئة للقسم وقوله لتؤمنن جواب له ، وعند ذلك يحتمل أن يكون الميثاق المأخوذ منهم هو وحدة الكلمة في الدين وعدم الاختلاف فيه وإليه تؤمى آية سورة الشورى أعني قوله : « أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاتَتَفَرَّقُوا » ( الشورى - 13 ) . الثاني : انّه سبحانه أخذ الميثاق من الأمم على أنبيائهم على تصديقهم والاقتداء بهم وعلى ذلك تخرج عمّا نحن بصدد البحث عنه والمعنى الأوّل أظهر . الوجه الثالث : أن يكون « من » للتبعيض ويراد من « أولوا العزم » بعض الأنبياء ، قيل هم نوح صبر على أذى قومه وكانوا يضربونه حتى يغشى عليه ، وإبراهيم على النار وذبح الولد ، وإسحاق على الذبح ، ويعقوب على فقدان الولد وذهاب البصر ، ويوسف على الجب والسجن ، وأيوب على الضر ، وموسى إذ قال له قومه : « إنّا لمدركون قال إنّ معي ربّي سيهدين » وداود يبكي على زلته أربعين سنة وعيسى لم يضع لبنة على لبنة وقال : إنّها معبرة فاعبروها ولا تعمروها ، وقال اللَّه تعالى في آدم : « لقد عهدنا إلى آدم فنسي ولم نجد له عزماً » ، وفي يونس : « وَلا تكُن كصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وَهُوَ مَكْظومٌ » « 1 » . وهذا القول أقرب الأقوال لولا أنّ فيه مسحة إسرائيلية حيث عد إسحاق ذبيحاً مع أنّ الذبيح هو إسماعيل ولكنّه لا يضر بأصل المعنى ويؤيده كما أشير إليه نفي العزم عن آدم بعد ما عهد إليه ونسي ما عهد ، والنسيان كناية عن الترك اطلق السبب وأريد المسبّب لأنّ الشيء إذا نسي ترك ، والمراد من العهد هو النهي عن أكل الشجرة بمثل قوله : « ولَا تَقْرَبَا هذِهِ الشّجَرَةَ » ( الأعراف - 19 ) .
--> ( 1 ) - مجمع البيان ج 5 ص 194 - واحتمله الفخر راجع ج 7 ص 468 .